محمد بن جرير الطبري
70
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
فَتَرَبَّصُوا يقول : فتنظروا . حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ حتى يأتي الله بفتح مكة . وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ يقول : والله لا يوفق للخير الخارجين عن طاعتهوفي معصيته . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ بالفتح . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ فتح مكة . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها يقول : تخشون أن تكسد فتبيعوها . وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها قال : هي القصور والمنازل . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها يقول : أصبتموها . القول في تأويل قوله تعالى : لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ يقول تعالى ذكره : لقد نصركم الله أيها المؤمنون في أماكن حرب توطنون فيها أنفسكم على لقاء عدوكم ومشاهد تلتقون فيها أنتم وهم كثيرة . وَيَوْمَ حُنَيْنٍ يقول : وفي يوم حنين أيضا قد نصركم . وحنين : واد فيما ذكر بين مكة والطائف ؛ وأجري لأنه مذكر اسم لمذكر ، وقد يترك إجراؤه ويراد به أن يجعل اسما للبلدة التي هو بها ، ومنه قول الشاعر : نصروا نبيهم وشدوا أزره * بحنين يوم تواكل الأبطال حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد ، قال : ثني أبي ، قال : ثنا أبان العطار ، قال : ثنا هشام بن عروة ، عن عروة ، قال : حنين : واد إلى جنب ذي المجاز . إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ وكانوا ذلك اليوم فيما ذكر لنا اثني عشر ألفا . وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك اليوم : " لن نغلب من قلة " . وقيل : قال ذلك رجل من المسلمين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو قول الله : إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً يقول : فلم تغن عنكم كثرتكم شيئا . وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ يقول : وضاقت الأرض بسعتها عليكم . والباء هاهنا في معنى " في " ، ومعناه : وضاقت عليكم الأرض في رحبها وبرحبها ، يقال منه : مكان رحيب : أي واسع ؛ وإنما سميت الرحاب رحابا لسعتها . ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ عن عدوكم منهزمين مدبرين ، يقول : وليتموهم الأدبار ، وذلك الهزيمة . يخبرهم تبارك وتعالى أن النصر بيده ومن عنده ، وأنه ليس بكثرة العدد وشدة البطش ، وأنه ينصر القليل على الكثير إذا شاء ويخلي القليل فيهزم الكثير . وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ حتى بلغ : وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ قال : وحنين ماء بين مكة والطائف قاتل عليها نبي الله هوازن وثقيف ، وعلى هوازن مالك بن عوف أخو بني نصر ، وعلى ثقيف عبد يا ليل بن عمرو الثقفي . قال : وذكر لنا أنه خرج يومئذ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنا عشر ألفا ، عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار ، وألفان من الطلقاء ، وذكر لنا أن رجلا قال يومئذ لن نغلب اليوم بكثرة قال : وذكر لنا أن الطلقاء انجفلوا يومئذ بالناس ، وجلوا عن نبي الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل عن بغلته الشهباء . وذكر لنا